دون إستشارة الكاتب الكبير / صلا حامد هباش انشر هذه الدراسة التي تحمل عنوان البعنيب والرخم في ميوان الفضيلة والكرم
مدخل:
يقول الشاعر حسونة في مدح العمدة ود كنيش:
الرجال بُـتَّــاب وإنت عيش الرجال ساكت غزار ديــش
القمر طلع النجم في ايـــش والصقر ركَّ والرخم في ايـش
ويقول ود الفراش:
بعد بعنيب بقت رخمة بتجيكن
والبعنيب هو ذات صقر الشاعر حسونة.
***
مع الفضيلة:
الإنسان الغني في نفسه والذي تشبعت نفسه بالمرؤة وإمتلأت روحه بالحب والتسامح تفيض فضائله لتروي ما حوله براً ولطفاً ورحمةً فيسجد حينئذٍ شاكراً لنعم الله المتزايدة وآلائه المتنامية التي مكنته من الأخذ بتلابيب المشاكل والعوائق التي تحاصر مجتمعه الصغير فيأخذ في حلها بسخاء القادر ووعي العارف ولذلك تنبعث في أرجاء نفسة همة وحيوية ونشاط فيندفع ويتحمس ويمضي قدما في إرضاء نفسه وإشباع رغباته بمد المزيد من الأيادي لأهل الحاجة.. ولذلك تجده ساكن النفس مرتاح البال ومطمئن القلب
ونأخذ هنا ومن خلال أغاني التراث بعض النماذج التي تتجسد فيها معاني الفضل والفضيلة.
يقول الشاعر أبو شوارب في مدحه لإبراهيم بك أبو سن:
آخِـرتو إمتثالْ صاحبي البتمم كيفي
إبراهيم ثبات عقلي ودرقتي سيفي
سترة حالي في نساي وجناي وضيفي
مطمورة غلاي مونة خريفي وصيفي
لقد جمع الممدوح من سماحة الشمائل وكرم الصفات وسخاء العطاء الكثير وهذه فضائل فطرية خُلق بها وجبل عليها.. إمتزجت بتكوينه الأول وتفاعلت مع روحه ونفسه..فأصبح بذلك في حالة من العطاء المتصل والمتواصل الغير منقطع.. تألف قربه وتنيخ رواحل وزوامل همومك عند ساحته الرحبة مطمئناً.. وهذه النماذج العظيمة من كرام الناس هم الذين يحفظون التوازن في حياة الناس والمجتمعات فيكونون بمثابة الشِّعب والركائز التي تقوم عليها الصروح.. والأعمدة التي يشيد عليها البنيان الإنساني ويشمخ فوقها شرف وكبرياء الأمة… وقد وردت ذات الألفاظ صراحة في الشعر الشعبي ومن ذلك
قول العبادي:
سلام يا مك ديارنا ومرتع الآمال شعبة الكون وركازة الزمان إن مال
ومنها أيضا أغنية الأمين البنَّا:
إِت مركز الدائرة وجبارة الحيل
إت شمس الضحى وفوقك غناي بـ خِيـْل
ومنها أيضاً لسعد الدين إبراهيم:
أبوي شعبتنا قطر آمالنا ضو البيت
ضراعه الخضراء ساريتنا بنقيل في ضليلها نبيت
ولعل الأدب الشعبي في طول وعرض البلاد وعلى إمتداد الوطن يذخر ويحفل بالكلام الجميل المُسْكِر في وصف الفضل وأهله والفضائل وأصحابها مما يجعلهم من الخالدين في أفئدة الناس وذاكرة التاريخ تميزهم الإيجابية المطلقة في تفاعلهم مع زخم الحياة من حولهم.. ولعلها أي هذه الإيجابية المندفعة والتي تصل في كثير من الأحيان إلى درجة التهور.. لا يخصون بها فئة دون الأخرى فتكون بذلك قصراً على هذه الطبقة أو براً لتلك الفئة دون سواها بل أنَّها منهجهم في الحياة وطبعهم الذي فُطِروا عليه فهو سلوك واحد لا ريـاء فيه ووجه طلق يتلقاك به هاشاً باشاً على الدوام.. ولعل ذلك المنحى الكريم يتوافر وبغزارة زائدة ورائدة لدى شيوخ الطرق الصوفية وفي ذلك إتفاق عام حيث أنه لم يكن يوما مكان جدل بين الناس فهم يأتون في رأس قائمة النفوس الصافية والتي هي أقرب للكمال منه إلى النقص كما تقول بذلك أدبيات مدارس المتصوفة… ويمكن أن نكتفي بقليل من النماذج لكي تعطينا صورة مصغرة…
يقول المادح:
عشرة آلاف ماشة طاحونة عشرة آلاف قاعدة للمونة
قد لا يقصد الشاعر في هذه الحالة هذا الرقم المحدد بالعشرة ألف نسمة وإنما يكون المراد هو ضخامة الأعداد التي تتوافد على ذلك المسيد ولفظ طاحونة تعني تواصل وإستمرارية تلك السيول البشرية في التدفق ولكل منهم مشكلة تخصه وموضوع يهمه يختلف في الحجم والمضمون عن مواضيع الآخرين… ويأتي إلى هنا بكل ثقة وإطمئنان… يأتي إلى من عودّ الناس إحساناً ومكرمةً
يقول المادح ود مصطفى في مدح شيخه:
ينفق يمينه وينفق شمالا أب وجها طليق قط ما قال لا لا
الكفه طالا…
هذا البيت يشبه إلى حد كبير بيت المتنبي القائل:
ما قال لا إلا في تشهده ولولا التشهد لكانت لاؤه نعم
والإنفاق عند الشيوخ تتعدد صوره وضروبه.. فقد شيدوا المؤسسات التعليمية بمراحلها المختلفة والتي تكتظ بطلاب العلم والمدارس القرآنية والتي تطورت فيها أساليب التدريس ثم المرضى وذويهم من المرافقين لهم.. فضلا عن الزوار الذين تضيق بهم الساحات والميادين وتعج بهم بيوت الضيافة والدواوين لا سيما في المناسبات الدينية السنوية وقد أنشأوا لذلك الأفران والطواحين التي تواصل العمل ليلا ونهارا لتوفير القِـرى……
هذا على مستوى أهل المساجد وأئمة الصلاح قدَّس الله أسرارهم.. ومن أخذ منهم من تلاميذهم وحيرانهم..
يقول المقدم الشاعر رضوان رحمه الله واصفاً لذلك الحال:
الناس من الشروق والغروب قاصدانا
تعال شوف العربات والكوامر والفيافي ملانة..
يتلو ذلك الخيِّرين من الرأسمالية الوطنية والأجنبية والزعامات القبلية من الذين نذروا حياتهم لأعمال الخير فأشعلوها ثورةً هيجاء في كافة المرافق.. فحملت أسماؤهم المستشفيات ودور العلم.. وساهموا بقدر طاقتهم في مشاريع تنمية الفرد والمنطقة فمنهم الزاهد والعابد.. من أهل التقوى والورع الذين لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى.. ومنهم المرائي.. الذي يعشق الفـشر والبوبار وفي كل الأحوال إنما الأعمال بالنيات ولكل إمريء ما نوى.. فكلها تصب في حوض واحد هو حوض الفضيلة.. ولهذا السبب إستحقوا المدح فتدفقت الألسن شعراً يمجد فضلهم ويحكي مناقبهم ويرثي فيهم الشموع والمشاعل.. الشيء الذي ترصده كتب التاريخ وتوثقه لتتعلم منه الأجيال مناهج التربية والفضيلة…
والمتأمل لمجتمع أهل السودان من خلال التراحم والتوادد الذي يطغى على حياتهم.. يجد الكم الهائل من الفضائل والفواضل وكريم السجايا التي تكسو وجه الحياة وتغطي شتى مناحيها ولعل معظمها قد ارتبط بالبذل والعطية لذوي القربى واليتامى والمساكين وغريب الديار والغارمين وبن السبيل والذي هو فريضة من الله… ولذلك جاءت نسبة كبيرة من الأدب الشعبي المتمثل في الأغاني تمدح وتمجد هذا المنحى المادي
وعلى هذا المنوال نجد أنَّ هنالك معنى واحد يتكرر ويعاود التكرار بمفردات مختلفة حتى يكاد يشمل ويغطي معظم الأغاني.. مثل كلمات الحمل والحمول.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |